أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
429
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
استئنافا ، وحذف جواب « لو » شائع مستفيض ، وكثر حذفه في القرآن . وفائدة حذفه استعظامه وذهاب النفس كلّ مذهب فيه بخلاف ما لو ذكر ، فإنّ السامع يقصر همّه عليه ، وقد ورد في أشعارهم ونثرهم حذفه كثيرا . قال امرؤ القيس : 805 - وجدّك لو شيء أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا « 1 » وقال النابغة : 806 - فما كان بين الخير لو جاء سالما * أبو حجر إلّا ليال قلائل « 2 » ودخلت « إذ » وهي ظرف زمان ماض في أثناء هذه المستقبلات تقريبا للأمر ، وتصحيحا لوقوعه ، كما وقعت صيغة المضيّ موقع المستقبل لذلك كقوله : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ « 3 » وَنادى أَصْحابُ النَّارِ « 4 » ، وكما قال الأشتر : 807 - بقّيت وفري وانحرفت عن العلى * ولقيت أضيافي بوجه عبوس « 5 » إن لم أشنّ على ابن حرب غارة * لم تخل يوما من نهاب نفوس فأوقع « بقّيت » و « انحرفت » - وهما بصيغة المضيّ - موقع المستقبل لتعليقهما على مستقبل وهو قوله : « إن لم أشنّ » . وقيل : أوقع « إذ » موقع « إذا » وقيل : زمن الآخرة متصل بزمن الدنيا ، فقام أحدهما مقام الآخر لأنّ المجاور للشيء يقوم مقامه ، وهكذا كلّ موضع وقع مثل هذا ، وهو في القرآن كثير . وقراءة ابن عامر « يرون العذاب » مبنيا للمفعول من أريت المنقولة من رأيت بمعنى أبصرت فتعدّت لاثنين ، أولهما قام مقام الفاعل وهو الواو ، والثاني هو « العذاب » ، وقراءة الباقين واضحة . وقال الراغب : « قوله » : « أنّ القوة » بدل من « الذين » قال : « وهو ضعيف » قال الشيخ « 6 » : « ويصير المعنى : ولو ترى قوة اللّه وقدرته على الذين ظلموا » . وقال في « المنتخب » : « قراءة الياء عند بعضهم أولى من قراءة التاء » ، قال : « لأنّ النبيّ عليه السّلام والمؤمنين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار ، وأمّا الكفار فلم يعلموه فوجب إسناد الفعل إليهم » وهذا ليس بشيء فإ القراءتين متواترتان . قوله : جَمِيعاً حال من الضمير المستكنّ في الجارّ والمجرور الواقع خبرا ، لأنّ تقديره : « أنّ القوة كائنة للّه جميعا » ، ولا جائز أن يكون حالا من القوة ، فإنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها ، و « أنّ » لا تعمل في
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 242 ) ، الخزانة ( 10 / 84 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 9 / 94 ) ، معاني الفراء ( 2 / 7 ، 63 ) ، مشكل القرآن لابن قتيبة ( 215 ) ، الصاحبي ( 431 ) ، أمالي الزجاجي ( 225 ) ، فقه اللغة للثعالبي ( 344 ) ، وروى « فأقسم » ، بدل « وجدّك » . والجد بالفتح العظمة والغنى ، والمعنى فيه أنه لو أحد أتانا رسوله لما أجبناه ، ولكن لم ندفعك عن ذلك . والشاهد فيه حذف جواب لو وتقديره : لو أتانا رسول سواك لفعلناه . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 44 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 50 ) . ( 5 ) البيتان في الحماسة ( 1 / 93 ) ، أمالي القالي ( 1 / 85 ) ، معجم الشعراء ( 263 ) ، حاشية الكشاف للتفتازاني ( 2 / 256 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 473 ) .